عبد الرحمن السهيلي

250

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

قال : هات ، قال : إن ذلك ديناً لن تدعه إلا لما هو خير منه ، وهو الإسلام ، الكافي به الله فقد ما سواه : إن هذا النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس ، فكان أشدهم عليه قريش ، وأعداهم له يهود ، وأقربهم منه النصارى ، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ، وكل نبي أدرك قوماً فهم من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه ، فأنت ممن أدركه هذا النبي ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ، ولكن نأمرك به قال المقوقس : إني قد نظرت في أمر هذا النبي ، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ، ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه ، ولم أجده بالساحر الضال ، ولا الكاهن الكاذب ، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى ، وسأنظر فأهدي للنبي صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم القبطية ، واسمها : مارية بنت شمعون ، وأختها معها ، واسمها سيرين وهي أم عبد الرحمن بن حسان بن ثابت ، وغلاماً اسمه مأبور ، وبغلة اسمها دلدل ، وكسوة ، وقدحاً من قوارير كان يشرب فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وكاتبه . رسوله إلى ابن ساوى : وأما العلاء بن الحضرمي ، فقدم على المنذر بن ساوى فقال له : يا منذر إنك عظيم العقل في الدنيا ، فلا تصغرن عن الآخرة ، إن هذه المجوسية شر دين ليس فيها تكرم العرب ، ولا علم أهل الكتاب ، ينكحون ما يستحيا من نكاحه ، ويأكلون ما يتكرم على أكله ، ويعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة ، ولست بعديم عقل ، ولا رأي ، فانظر : هل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه ، ولمن لا يخون أن لا تأمنه ، ولمن لا يخلف أن لا تثق به ، فإن كان هذا هكذا ، فهو هذا النبي الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول : ليت ما أمر به نهى عنه ، أو ما نهى عنه أمر به ، أو ليت زاد في عفره ، أو نقص من عقابه ، إن كان ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل البصر . فقال المنذر : قد نظرت في هذه الأمر الذي في يدي ، فوجدته للدنيا دون الآخرة ، ونظرت في دينكم ، فوجدته للآخرة والدنيا ، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت ، ولقد عجبت أمس ، ممن يقبله ، وعجبت اليوم ممن يرده ، وإن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله ، وسأنظر . مفتاح الجنة : فصل : ومما وقع في السيرة في حديث العلاء قول النبي عليه السلام له : إذا سئلت عن مفتاح الجنة فقل : مفتاحها ، لا إله إلا الله ، وفي البخاري : قيل لوهب : أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله ؟ فقال : بلى ، ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلا لم يفتح لك ، وفي رواية غيره : أن ابن عباس ذكر له قول وهب ، فقال : صدق وهب ، وأنا أخبركم عن الأسنان ما هي ، فذكر الصلاة والزكاة وشرائع الإسلام . عمرو الجلندي : وأما عمرو بن العاصي ، فقدم على الجلندي ، فقال له : يا جلندي إنك وإن كنت منا بعيداً ، فإنك من الله غير بعيد ، إن الذي تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك ، وأن لا تشرك به من لم يشركه فيك ، واعلم أنه يمينك الذي أحياك ، ويعيدك الذي بدأك ، فانظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة ، فإن كان يريد به أجراً فامنعه ، أو يميل به هوى فدعه ، ثم أنظر فيما يجيء به : هل يشبه ما يجيء به الناس ، فإن كان يشبهه ، فسله العيان ، وتخير عليه في الخبر ، وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال ، وخف ما وعد ، قال الجلندي : إنه والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به ، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا يبطر ، ويغلب فلا يضجر وأنه يفي بالعهد ، وينجز الموعود ، وأنه لا يزال سر قد اطلع عليه يساوي فيه أهله ، وأشهد أنه نبي . شجاع وجبلة بن الأيهم : وأما شجاع بن وهب ، فقدم على جبلة بن الأيهم ، وهو جبلة بن الأيهم بن الحارث